عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
170
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الآخر بالأولية فلا يكون واحد منهما أولا على الانفراد وإن أحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولا والمتعاقب ثانيا فيكون الأول واحدا منهما لا محالة . ولا يجوز الخلف في كلام النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لأنه جاء بالصدق وأنه - صلى اللّه عليه وسلّم - قد أثبت الأوليات . قلنا المخلوق الأول هو مسمى واحد وله أسماء مختلفة فبحسب كل صفة فيه سمي باسم آخر ، وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبع ، فلا ريب أن أصل الكون كان النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لقوله : لولاك لما خلقت الكون فهو أولى أن يكون أصلا وما سواه أولى أن يكون تبعا له ، لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى ، فكما أن الثمرة تخرج من فرع الشجرة كان خروجه إلى قاب قوسين أو أدنى ، ولهذا قال : نحن الآخرون السابقون أي السابقون بالخروج كالثمرة ، والسابقون بالخلق كالبذر ، فيلزم من ذلك أن يكون روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - أول شيء تعلقت به القدرة وأن يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة ، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمى درة وجوهرة . كما جاء في الخبر : « أول ما خلق اللّه جوهرة » « 1 » . وفي رواية « درة » « 2 » . فنظر إليها فذابت فخلق منها كذا . وإنما باعتبار روحانيته سمي روحا وباعتبار نورانيته سمي نورا وباعتبار وفور عقله سمي عقلا . ونقل عن بعض الكبراء من الأئمة : أن أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبي يسمى العقل . وهو صاحب القلم بدليل توجه الخطاب عليه في قوله أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر والحديث قول النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - : « أول ما خلق اللّه العقل . فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أحب إليّ منك ، بك أعرف وبك آخذ وبك أعطي وبك أعاقب وبك أثيب » « 3 » . وفي رواية : « وبك أعبد » ولما سماه قلما . قال له أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا . وقد قيل لخالد بن الوليد - رضي اللّه عنه - سيف اللّه فباعتبار غلبة صفاته الملكية يسمى ملكا . وسمي الملك عقلا لوفور عقله ، وقلما باعتبار كتابته على لوح الوجود ، وإذا أمعنت النظر وجدت كلما وصف النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - به العقل وحكى عنه هو خاصية من خواص روحه الشريف - صلى اللّه عليه وسلّم - وهو قوله : « أول ما خلق اللّه العقل ، فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر » وهذا حال روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - أنه أول ما خلق اللّه من خلق . إذ قال له أقبل إلى الدنيا على طريق التجارة لتربح من تجارتك أسبابا تحتاج إليه في المعرفة ، فإن روحك كان عارفا
--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) هذا الحديث سبقت الإشارة إليه . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .